أحدث آلية دعم استجابة الطلب لشركات الاستثمار الأجنبي في التصنيع الصيني
في السنوات الثلاث الماضية، لمستُ بعينَي رأسي تحولاً لافتاً في طريقة الصينيين لتعاملهم مع الاستثمار الأجنبي، وخصوصاً في قطاع التصنيع. حين كنتُ أبدأ عملي مع شركات أجنبية قبل أربعة عشر عاماً في تسجيل الشركات وخدماتها، كان همّ المستثمر الأكبر هو "كم من الوقت يستغرق استخراج الترخيص؟" أما اليوم فهم يسألون سؤالاً أعمق: "هل توجد آلية تجعل استثماري في التصنيع أكثر قدرة على التكيّف مع تقلبات الطلب؟" هذا السؤال دفعني لأقضي الأشهر الماضية في متابعة ما أسميه "آلية دعم استجابة الطلب" — وهي منظومة من الإجراءات الإدارية والمحاسبية والحوافز التي أطلقتها الصين مؤخراً لتحفيز شركات التصنيع ذات الاستثمار الأجنبي على الاستجابة السريعة لتغيّرات الطلب المحلي والعالمي. في هذا المقال، سأشارككم تجربتي كأستاذ في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، مع بعض الأمثلة العملية التي واجهتنا في مكتبنا خلال عام 2023 و2024، وكيف يمكن للمستثمر العربي أن يستفيد من هذه الآلية دون أن يقع في فخاخها الإدارية.
لماذا الآلية؟
قبل الدخول في التفاصيل، دعني أشرح الخلفية التي أنتجت هذه الآلية. خلال جائحة كورونا والاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، اكتشفت الحكومة الصينية أن شركات التصنيع الأجنبية لديها مرونة محدودة في تعديل خطوط إنتاجها أو حجم إنتاجها استجابةً لتقلبات الطلب. على سبيل المثال، في عام 2022، كانت إحدى الشركات الألمانية التي نخدمها في مدينة سوتشو تصنّع قطع غيار لآلات البناء، وواجهت انخفاضاً مفاجئاً في الطلب الأوروبي، لكنها لم تستطع تحويل خط إنتاجها سريعاً لتلبية طلب محلي على مكونات السيارات الكهربائية. كان ذلك بسبب قيود التخطيط والتراخيص والضوابط البيئية التي تستغرق أشهراً. هنا تدخلت الحكومة المحلية بصيغة تجريبية جديدة، تسمح بتبسيط إجراءات تعديل خط الإنتاج إذا أثبتت الشركة أن التعديل يستجيب لتحول في الطلب. بمعنى آخر، الآلية ليست مجرد إعانات نقدية، بل هي منظومة "تيسير إداري + حوافز ضريبية + دعم تقني". وقد أعلنت عنها وزارة التجارة بالتعاون مع مصلحة الضرائب الوطنية في أواخر 2023، ثم توسّعت تجربتها في 2024. إن فهم هذه الخلفية مهم للمستثمر العربي، لأنها تعني أن الآلية تتطلب توثيقاً دقيقاً لعلاقة الإنتاج بالطلب، وليست مجرد استثمار في آلات جديدة.
من زاوية أخرى، لاحظتُ أن الآلية جاءت متزامنة مع تعديلات في قانون الاستثمار الأجنبي، وتحديداً في المادة المتعلقة بمعاملة "الشركات ذات الاستثمار الأجنبي" في قطاعات التصنيع المتقدمة. وقد قال لي مسؤول محلي في منطقة لينغانغ للتجارة الحرة في شنغهاي خلال جلسة استشارية: "نريد من الشركات الأجنبية أن تتعامل مع الطلب كبوصلة، لا مع الخطة الخمسية كبوصلة." هذه العبارة تلخص الفلسفة الجديدة. عملياً، تعني الآلية أن الشركة التي تثبت أن منتجها الجديد أو تعديل خط إنتاجها يستجيب لتغير في طلب السوق يمكنها الحصول على معاملة تفضيلية في الترخيص البيئي والتخطيطي، بالإضافة إلى حافز ضريبي على الاستثمار في التكنولوجيا المرتبطة بذلك. لكن، وهذا مهم جداً، الآلية لا تمنح "دعماً مباشراً" بالمعنى التقليدي، بل تقدم تسهيلات وحوافز مشروطة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى الدقة في التوثيق المحاسبي، وهو ما نراه يومياً في عملنا.
التحول الإداري
الجانب الأول والأهم في الآلية هو التحول الإداري. بموجب التوجيهات الجديدة، أصبح بإمكان شركات التصنيع الأجنبية تقديم "طلب تعديل سريع" لخط الإنتاج أو لطاقة الإنتاج، على أن يكون الطلب مرفقاً بدراسة سوقية مبسطة تثبت وجود تغير في الطلب. قبل هذه الآلية، كان أي تعديل يستلزم موافقات متسلسلة من التخطيط والبيئة والصناعة والتجارة، وقد يستغرق ستة أشهر أو أكثر. الآن، أصبحت هناك "نافذة واحدة" في العديد من المناطق التجريبية، مثل منطقة لينغانغ في شنغهاي ومنطقة باوان في شنتشن، تسمح بتقديم ملف واحد ومتابعة موحدة. عملياً، هذا يقلل الزمن إلى أربعة أو ستة أسابيع في الحالات المبسطة. لكن الملف نفسه أصبح أكثر تعقيداً من حيث المحتوى، لأنه يتطلب بيانات مبيعات حديثة وتوقعات طلب، وليس فقط مخططات هندسية.
من تجربتي، واجهت إحدى شركاتنا اليابانية في مجال تصنيع مستحضرات التجميل صعوبة في البداية، لأن قسم الإنتاج لديها لم يكن معتاداً على إعداد "دراسة طلب" بالمعنى الاقتصادي. كانوا يقولون: "نحن نصنع ما يطلبه العميل، لماذا نحتاج دراسة؟" فاضطررنا كفريق جياشي إلى تصميم قالب بسيط باللغتين الصينية والإنجليزية يربط بين حجم الطلبات الشهرية وتغيراتها، مع الإشارة إلى المصادر (طلبات العملاء، تقارير السوق). هذا القالب، رغم بساطته، مكّن الشركة من الحصول على موافقة تعديل خط إنتاج في خمسة أسابيع بدلاً من خمسة أشهر. النقطة الجوهرية هنا: الآلية لا تعفي من الإجراءات، بل تعيد ترتيبها لتكون أكثر استجابة للطلب، وهذا يتطلب من المستثمر الأجنبي أن يطور قدرة داخلية على توثيق الطلب. التحدي الشائع الذي نراه هو أن الأقسام المالية والإدارية في الشركات الأجنبية تعمل بمعايير مختلفة عن الأقسام الفنية، فتضيع الفرصة. الحل الذي نوصي به دائماً هو تعيين "منسق استجابة الطلب" داخلياً، يكون حلقة وصل بين المبيعات والإنتاج والمالية، ونحن في جياشي نساعد في تدريب هذا المنسق على المتطلبات الإدارية الصينية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تحول في العلاقة بين الحكومة المحلية والشركة. في الماضي، كانت العلاقة أقرب إلى "المراقبة"؛ الآن أصبحت أقرب إلى "الشراكة المعلوماتية". فقد طلبت منا إحدى الجهات المحلية في نينغبو، خلال صيف 2024، أن نزودها بتقرير ربع سنوي عن توقعات الطلب لشركات التصنيع الأجنبية التي نخدمها، مقابل تسريع النظر في طلبات التعديل. هذا لا يعني أن هناك استثناءات من القوانين، بل يعني أن الحكومة تريد بيانات حقيقية لتحسين تخصيص الموارد. من زاوية المستثمر العربي، هذه فرصة لبناء علاقة شفافة ومستدامة مع الجهات المحلية، بدلاً من العلاقة الموسمية القائمة على "الوساطة". لكنها أيضاً مسؤولية، لأن أي تضخيم في توقعات الطلب قد يؤدي إلى فقدان الثقة. لذا ننصح دائماً بالتوازن بين الطموح والواقعية في التقارير.
الحوافز الضريبية
الجانب الثاني هو الحوافز الضريبية المرتبطة بالآلية. لا تتضمن الآلية إعفاءات ضريبية جديدة بالمعنى الواسع، لكنها توسّع نطاق الاستفادة من بعض السياسات القائمة. على سبيل المثال، الشركات التي تثبت أن استثمارها في معدات جديدة مرتبط مباشرة بتلبية تغير في الطلب يمكنها الاستفادة من "خصم الاستثمار" المعزز، بحيث يتم خصم نسبة أكبر من قيمة المعدات من الوعاء الضريبي في السنة الأولى. كما أن هناك تسهيلات في "الضريبة البيئية" إذا كان التعديل يقلل الانبعاثات أو يحسّن كفاءة الطاقة. عملياً، هذا يتطلب من المستثمر الأجنبي أن يحتفظ بسجلات دقيقة ليس فقط للمعدات، بل للعلاقة السببية بين المعدات والطلب. وهذا ما نراه صعباً على كثير من الشركات، لأن محاسبيها في الخارج لا يعتادون على هذا النوع من التوثيق.
أتذكر حالة شركة إيطالية في مجال تصنيع الأثاث المعدني في فوشان، كانت تريد شراء آلات قص بالليزر جديدة لتلبية طلب مفاجئ على منتجات مخصصة من عملاء محليين. لجأت إلينا لمراجعة الملف قبل التقديم، فاكتشفنا أن الفاتورة الأولية للمعدات لا تذكر العلاقة بالطلب. فطلبنا من المورد إصدار "ملاحظة فنية" توضح كيف ترفع الآلة قدرة الشركة على التبديل السريع بين أنواع المنتجات، وأرفقناها ببيانات طلبات العملاء الشهرية. بهذه الطريقة، حصلت الشركة على خصم ضريبي إضافي بلغ 12% من قيمة المعدات. الدرس هنا: الحوافز الضريبية في الآلية ليست تلقائية، بل مشروطة بإثبات "الاستجابة للطلب"، وهذا يتطلب تعاوناً بين المورد والشركة والمستشار المحاسبي. وكثيراً ما أقول للعملاء: "لا تنتظروا حتى نهاية السنة لتجميع المستندات؛ اجعلوا التوثيق جزءاً من عملية الشراء نفسها."
من ناحية أخرى، هناك تحدٍ شائع في هذا الجانب يتعلق بالشركات التي تعمل بنظام "التكلفة المعيارية" أو "التحويلات الداخلية" بين فروعها. فقد تواجه صعوبة في إثبات أن التغير في الطلب خارجي وليس مجرد إعادة توزيع داخلي. في إحدى الحالات، كانت شركة كورية لديها فرعان في الصين، وأرادت نقل خط إنتاج من فرع إلى آخر بحجة تغير الطلب. رفضت الجهة المحلية الطلب في البداية لأن التغير كان داخلياً. ساعدناهم في إعادة صياغة الملف بحيث يظهر أن الطلب الإقليمي في المنطقة الثانية نما فعلاً بنسبة 30%، مستشهدين بتقارير غرفة التجارة المحلية وبيانات المبيعات. هنا يظهر أن الآلية تتطلب نظرة "خارجية" للطلب، وليس فقط نظرة داخلية. هذا النوع من التحديات دفعني شخصياً إلى تعميق فهمي للاقتصاد الإقليمي الصيني، وليس فقط للقوانين الضريبية.
الدعم التقني
الجانب الثالث هو الدعم التقني. الآلية لا تقتصر على التسهيلات الإدارية والضريبية، بل تشمل أيضاً دعماً تقنياً من خلال مراكز الابتكار الصناعي التابعة للحكومات المحلية. هذه المراكز تقدم خدمات مثل تحليل البيانات السوقية، واختبار النماذج الأولية، والربط مع الجامعات. على سبيل المثال، في منطقة سوتشو الصناعية، هناك مركز متخصص في تصنيع الإلكترونيات يتعاون مع جامعة محلية لتقديم استشارات مجانية أو مدعومة للشركات الأجنبية التي ترغب في تعديل منتجاتها استجابةً للطلب. لكن الاستفادة من هذه الخدمات تتطلب من الشركة أن تكون مسجلة في نظام "مراقبة استجابة الطلب" التابع للآلية، وهو نظام يوثق التزام الشركة بالإبلاغ عن تغيرات الطلب.
في تجربتي، شركة فرنسية في مجال تصنيع الأجهزة الطبية في ووهان استفادت من هذا الدعم بشكل كبير. كانت تريد تطوير جهاز مراقبة عن بُعد للمرضى المزمنين استجابةً لطلب المستشفيات المحلية بعد الجائحة. لم يكن لديها فريق بحث وتطوير كافٍ في الصين. ساعدناها في التسجيل في نظام الآلية، ثم ربطناها بمركز ابتكار محلي في منطقة دونغهو للتنمية العليا، الذي قدم لها مساحة مختبرة وثلاثة مهندسين لمدة ستة أشهر. النتيجة كانت نموذجاً أولياً جاهزاً للإنتاج في نصف الوقت المتوقع. المفتاح هنا أن الدعم التقني ليس نقدياً، بل هو "وصول إلى موارد" لا تستطيع الشركة الأجنبية الحصول عليها بسهولة بمفردها. لكنه يتطلب استثماراً في العلاقات والتوثيق، وليس فقط في المعدات.
من زاوية أخرى، لاحظت أن بعض الشركات العربية التي تتعامل معنا تتردد في الانضمام إلى نظام "مراقبة استجابة الطلب" خوفاً من الشفافية الزائدة. أقول لهم بصراحة: الشفافية هنا ليست عبئاً، بل هي جواز مرور للدعم التقني. في عام 2023، رفضت إحدى الشركات السعودية في مجال تصنيع مواد البناء الانضمام، ثم عادت بعد ستة أشهر تطلب المساعدة لأنها لم تستطع الحصول على موافقة سريعة لتعديل خط إنتاج. انضمت حينها، وحصلت على دعم تقني في تحسين كفاءة الطاقة، مما خفض تكاليفها بنسبة 8%. هذا المثال يظهر أن التأخر في فهم الآلية قد يكلف أكثر من الانضمام إليها. لكني أضيف أيضاً: يجب أن يكون الانضمام مدروساً، وليس اندفاعياً، لأن البيانات التي تقدمها الشركة تصبح جزءاً من سجلها الإداري.
الاستجابة السريعة
الجانب الرابع هو ما أسميه "الاستجابة السريعة" على مستوى سلسلة التوريد. الآلية تشجع شركات التصنيع الأجنبية على أن تكون جزءاً من "شبكات استجابة الطلب" المحلية، بحيث يمكنها الحصول على أولوية في الحصول على المواد الخام أو المكونات من موردين محليين معتمدين عند حدوث تغير مفاجئ في الطلب. هذا لا يعني تفضيلاً على حساب الآخرين، بل هو نظام تنسيق معلوماتي: الشركة التي تشارك في الآلية وتقدم توقعات طلب ربع سنوية يمكنها أن تحجز طاقة توريد مسبقاً. عملياً، هذا مفيد جداً في القطاعات التي تعاني من تقلبات حادة، مثل الإلكترونيات الاستهلاكية والملابس الرياضية.
أتذكر شركة إماراتية في مجال تصنيع الملابس الرياضية في قوانغدونغ، كانت تعتمد على موردين في جنوب شرق آسيا، لكنها واجهت تأخيرات في 2023. ساعدناها في الانضمام إلى آلية استجابة الطلب المحلية، فحصلت على أولوية في شراء أقمشة من موردين في مقاطعة تشجيانغ، مع خصم على السعر بسبب التنسيق المعلوماتي. القيمة الحقيقية للآلية هنا هي أنها تحوّل "الطلب" من عبء إلى أصل تفاوضي، لأن الشركة التي تثبت استجابتها للطلب تصبح شريكاً موثوقاً في نظر الموردين والجهات المحلية. لكن التحدي الشائع هو أن بعض الشركات لا تملك نظام تخطيط موارد مؤسسي (ERP) يسمح بتوليد توقعات الطلب آلياً، فتعتمد على التقديرات اليدوية، وهذا يضعف مصداقيتها. نحن في جياشي نقدم خدمة مساعدة في إعداد تقارير الطلب باستخدام أدوات بسيطة، لكننا ننصح دائماً بالاستثمار في نظام ERP مناسب، لأن الآلية ستتوسع في 2025 لتشمل المزيد من القطاعات.
من ناحية أخرى، هناك تحدي ثقافي: بعض الشركات الأجنبية تعتبر مشاركة توقعات الطلب مع الحكومة أو الموردين "سراً تجارياً". هذا مفهوم، لكن الآلية توفر إطاراً لحماية المعلومات، بحيث لا تُشارك البيانات إلا مع الجهات المعنية وبعد توقيع اتفاقية سرية. في إحدى الحالات، رفضت شركة ألمانية مشاركة بيانات الطلب، فخسرت فرصة الحصول على أولوية توريد، ثم اضطرت لشراء المواد من السوق الحرة بأسعار أعلى بنسبة 15%. بعد ستة أشهر، غيرت رأيها بعد أن شرحنا لها إطار الحماية. الدرس: عدم المشاركة قد يكون مكلفاً أكثر من المشاركة، بشرط فهم أطر الحماية. هذه نقطة أكررها في كل ورشة عمل مع المستثمرين العرب، لأنها تمثل توازناً دقيقاً بين الخصوصية والمنفعة.
الامتثال البيئي
الجانب الخامس، وهو من أكثر الجوانب التي أراها إلحاحاً، هو الامتثال البيئي. الآلية تربط بين استجابة الطلب والامتثال البيئي بشكل ذكي: الشركة التي تعدل خط إنتاجها استجابةً للطلب يجب أن تثبت أن التعديل لا يزيد الانبعاثات أو أنه يقللها. في المقابل، تحصل على تسهيلات في مراجعة تقييم الأثر البيئي. عملياً، هذا يعني أن المستثمر الأجنبي لا يستطيع استخدام الآلية للتهرب من الالتزامات البيئية، بل يجب أن يدمج البعد البيئي في قرار الاستجابة للطلب. هذا ما أسميه "الاستجابة الذكية": أن تنتج ما يطلبه السوق دون أن تزيد الضغط على البيئة.
في عام 2024، رافقنا شركة هولندية في مجال تصنيع الطلاءات الصناعية في تيانجين كانت تريد زيادة إنتاج طلاءات صديقة للبيئة استجابةً لطلب محلي متزايد. كان التحدي أن خط الإنتاج الجديد سيستهلك طاقة أكبر. طلبت الجهة البيئية المحلية تحليلاً لكفاءة الطاقة. ساعدناهم في إعداد دراسة مقارنة بين الخط القديم والجديد، وأثبتنا أن زيادة الإنتاج ستقابلها زيادة في كفاءة استخدام الطاقة بنسبة 12% بفضل تقنية جديدة. حصلت الشركة على الموافقة في سبعة أسابيع، وهو وقت قياسي. الخلاصة: الامتثال البيئي ليس عقبة أمام الآلية، بل هو جزء من تصميمها، ومن يفهم ذلك مبكراً يكسب الوقت. التحدي الشائع هنا هو أن بعض الشركات تعتبر الدراسة البيئية "كلفة إضافية"، بينما هي في الواقع استثمار في سرعة الموافقة.
من تجربتي الشخصية، أرى أن هذا الجانب تحديداً يمثل فرصة للمستثمر العربي الذي يعمل في قطاعات مثل الطاقة المتجددة أو المواد المستدامة، لأن الآلية تفضل الشركات التي تربط استجابة الطلب بالتحسين البيئي. على سبيل المثال، شركة سعودية تعمل في تصنيع الألواح الشمسية في نينغشيا استفادت من الآلية ليس فقط لتوسيع خط إنتاجها، بل أيضاً للحصول على دعم تقني في تحسين كفاءة الخلايا. لكن التحدي الذي واجهته هو أن فريقها المحلي لم يكن معتاداً على إعداد تقارير الامتثال البيئي بالصيغة الصينية. قمنا بتدريب الفريق لمدة أسبوعين، وأصبحوا قادرين على إعداد التقارير بأنفسهم. أعتقد أن هذا النوع من بناء القدرات هو ما سيحدد نجاح المستثمرين العرب في المرحلة القادمة، وليس فقط حجم الاستثمار.
التحديات والحلول
بعد استعراض هذه الجوانب، لا بد من الحديث عن التحديات العملية التي نواجهها يومياً في جياشي. أولاً، هناك تحدٍ يتعلق باللغة والتوثيق: كثير من الشركات الأجنبية لديها وثائق باللغة الإنجليزية، لكن الجهات المحلية تطلب صيغة محددة بالصينية. هذا ليس مجرد ترجمة، بل إعادة صياغة وفق المنطق الإداري الصيني. ثانياً، هناك تحدٍ يتعلق بالتوقيت: الآلية تعمل بشكل أفضل عندما تقدم الشركة توقعاتها قبل حدوث التغير، وليس بعده. لكن كثيراً من الشركات تتصل بنا بعد أن يكون الطلب قد تغير فعلاً، وتريد "حلاً سريعاً". في هذه الحالات، نعمل على تقديم "طلب بأثر رجعي" مبرر، لكنه ليس مثالياً. ثالثاً، هناك تحدٍ يتعلق بالتنسيق الداخلي بين الفروع: الشركة التي لديها عدة فروع في الصين قد تواجه صعوبة في تحديد أي فرع يقدم الطلب، لأن الآلية تطبق على مستوى الموقع.
أحد الحلول التي نستخدمها هو "ورشة عمل استجابة الطلب" التي نعقدها مع العميل قبل بدء الملف. نجمع فيها ممثلي الإنتاج والمبيعات والمالية والإدارة، ونضع خريطة بسيطة لتغيرات الطلب المتوقعة خلال ستة أشهر، ثم نحدد الوثائق المطلوبة لكل سيناريو. هذا يقلل وقت الإعداد بنسبة 40% في المتوسط. التحدي الشائع الآخر هو أن بعض الشركات تعتقد أن الآلية "إجراء شكلي"، فتقدم ملفات ناقصة، مما يؤدي إلى رفض أو تأخير. أذكر أن شركة تركية في مجال تصنيع الآلات الزراعية قدمت طلباً بدون بيانات مبيعات حديثة، فتم رفضه. بعد أن ساعدناها في إعادة التنظيم، حصلت على الموافقة في الجولة الثانية. هذا النوع من الأخطاء يمكن تجنبه بالاستعانة بمستشار محلي يفهم التفاصيل.
من زاوية شخصية، أرى أن التحدي الأكبر ليس تقنياً ولا قانونياً، بل هو "الثقة". الآلية تعتمد على الثقة بين الشركة والجهة المحلية. الشركة التي تقدم بيانات صادقة وشفافة تبني سمعة تجعلها تحصل على تسهيلات أكبر في المستقبل. أما الشركة التي تبالغ في التوقعات، فقد تحصل على موافقة سريعة مرة واحدة، لكنها تخسر المصداقية. في عملي، شهدت شركات عربية بدأت بعلاقة شفافة، ثم أصبحت تحصل على "مسار أخضر" في طلباتها. هذا ما أسميه "رأس المال الإداري"، وهو لا يقل أهمية عن رأس المال المالي. أوصي المستثمرين العرب بالاستثمار في بناء هذا الرأسمال من اليوم الأول، وليس فقط عند الحاجة.
الخاتمة والاستنتاجات
في الختام، أستطيع القول إن "آلية دعم استجابة الطلب" ليست مجرد سياسة جديدة، بل هي تحول في فلسفة التعامل مع الاستثمار الأجنبي في التصنيع الصيني: من التركيز على "جذب الاستثمار" إلى التركيز على "تكييف الاستثمار مع الطلب". من خلال ستة جوانب رئيسية — التحول الإداري، الحوافز الضريبية، الدعم التقني، الاستجابة السريعة لسلسلة التوريد، الامتثال البيئي، والتحديات العملية — يمكن للمستثمر العربي أن يرى أن الآلية تقدم فرصاً حقيقية، لكنها تتطلب جهداً في التوثيق والتنسيق وبناء الثقة. الهدف من المقالة، كما ذكرت في المقدمة، هو منح المستثمر العربي فهماً عملياً لهذه الآلية، وليس مجرد عرض نظري. وأؤكد مرة أخرى أن الأهمية تكمن في أن الآلية تحول "الطلب" من عامل خطر إلى عامل قوة، إذا أحسن المستثمر استخدامها.
أتطلع إلى أن تتوسع الآلية في 2025 لتشمل قطاعات مثل تصنيع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وهما قطاعان يهمان المستثمرين العرب. وأتوقع أن تصبح البيانات المتعلقة بالطلب جزءاً من التقارير السنوية للشركات، مما سيعزز الشفافية. لكني أتمنى أيضاً أن تطور الجهات المحلية أدوات رقمية أبسط للشركات الصغيرة والمتوسطة، لأن الآلية الحالية قد تكون معقدة بالنسبة لهم. من ناحية أخرى، أرى أن على المستثمر العربي أن يبدأ في تكوين فريق محلي قادر على التعامل مع هذه الآلية، وليس الاعتماد كلياً على المستشارين. في جياشي، نعمل على برامج تدريبية لهذا الغرض، لأننا نؤمن بأن نجاح العميل هو نجاحنا.
رؤية جياشي
في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن "آلية دعم استجابة الطلب" تمثل نقلة نوعية في بيئة الاستثمار الأجنبي في التصنيع الصيني. من خلال خبرتنا التي تمتد 14 عاماً في خدمات تسجيل الشركات الأجنبية و12 عاماً في الاستشارات الضريبية والمحاسبية، لمسنا أن المستثمرين الذين يتبنون هذه الآلية مبكراً يحصلون على ميزة تنافسية واضحة، ليس فقط في سرعة الموافقات، بل في بناء علاقة مستدامة مع الجهات المحلية. نحن في جياشي نقدم دعماً متكاملاً يشمل إعداد ملفات استجابة الطلب، وتدريب فرق العمل الداخلية، وربط الشركات بمراكز الدعم التقني المحلية. نؤمن بأن الآلية ليست عبئاً إدارياً، بل هي أداة لتحويل التحديات إلى فرص. ونوصي المستثمرين العرب بالانضمام إليها بشكل مدروس، والاستثمار في بناء القدرات المحلية، لأن النجاح في الصين لم يعد يعتمد على حجم الاستثمار فقط، بل على قدرة الشركة على التكيف مع الطلب بسرعة وشفافية. نحن هنا لنكون شركاءكم في هذه الرحلة، بخبرة محلية وفهم عميق للثقافة الإدارية الصينية.